السبت، 15 مارس 2014

كلمات شاعر : هل أبدعها أم قلد مبدعها ؟!!







كلمات شاعر : هل أبدعها أم قلد مبدعها ؟!!

بتصفحي لأحد نسخ مجلة العربي الصغير لسنة 2006م ؛ العدد 568 ؛ بعنوان : تحت سماء كوجرات ، صادفت في إحدى صفحاته بعض الأبيات الشعرية لعمرو ابن كلثوم في معلقته التي يمكن أن نرى فيها نموذجا شعريا فاقعا للعصبية الجاهلية ، إذ يقول فيها :

ألا لا يجهلن أحد علينا      فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ظالمين أبدا وما ظلمنا       و لكننا سنبدأ ظالمينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا       و ماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا صبيّ       تخر له الجبابر ساجدينا

و ما جعلني أستحضر هذه الأبيات ؛ هو لما قرأتها تذكرت كلمات الشاعر الفلسطيني ثميم البرغوثي ؛ كون مقطع القصيدة هذا يحمل بين ثناياه تشابها من حيث الإيقاع الخارجي و كذلك بعض الألفاظ مع قصيدة ثميم البرغوثي المعنونة ب"معين الدمع " ، و أنا أقرأ أبيات إبن كلثوم هاته أتسأل ما إذا كان الشاعر ثميم البرغوثي قد قرأ معلقته هاته ؛ و تأثر بها ؛ لذلك نسج على منوالها و أخذ حتى بعض ألفاضها حتى يوضفها في قصيدته " معين الدمع " ؟! أم أن ثميم البرغوثي أبدع و لم يقلد و كل ما في الأمر هو أن بالصدفة كتب قصيدته و هي تحاكي هذا المقطع من معلقة عمر ابن كلثوم ؛ من حيث التشابه في الإيقاع الداخلي ؛ و كذلك من حيث توضيف ألفاظ بالصدفة سبقه عمر ابن كلثوم في توضيفها في معلقته ؟!!
فهذا المقطع من معلقة الشاعر الجاهلي عمر ابن كلثوم مقارنة بقصيدة ثميم البرغوثي " معين الدمع " يتميزان بوحدة القافية و الروي و هما نفسهما المستعملان من الشاعران معا ، و كذلك الكلمات المضغوطة بالأحمر ؛ قد صودف توضيفها من ثميم البرغوثي في قصيدته التي ذكرناها سلفا ؛ حين يقول في أحد أبيات قصيدته " معين الدمع " :

ملأنا البر من قتلا كرام       على غير الإهانة صابرينا

في هذا البيت يتضح جليا تشابه إيقاعه الخارجي مع مقطع معلقة عمر ابن كلثوم التي ذكرناها ؛ نفس الروي و القافية و الوزن الذي هو البحر الطويل . كما وضف الشاعر " البرغوثي " في قصيدته هاته ألفاضا و هي نفسها التي استعملها الشاعر الجاهلي ابن كلثوم في بداية البيت الثالث من هذا المقطع من معلقته ، بل أكثر من ذلك وضف الشاعران معا هذه الألفاض في بداية البيت ، و هناك مثال آخر لبيت من نفس قصيدة ثميم البرغوثي :

فإن الحق مشتاق إلى أن       يرى بعض الجبابر ساجدينا

الذي سنقول عنه ما قلناه عن سلفه ، إضافة إلى كون الشاعرين معا وضفا لفضين تشابها معا فيه ، سواء من حيث الكلمات ، و كذلك موضع توضيف الكلمات من البيت الشعري ، و هما " الجبابر ساجدين " فعمر ابن كلثوم جعلها في آخر البيت الرابع من مقطع معلقته هذا و كذلك فعل ثميم البرغوثي و هو يوضف اللفضين معا في آخر هذا لبيت .
 و لشدة تشابه البيتين من حيث الأسلوب ، و تشابه بعض الألفاض حتى في مكان توضيفهما من البيت الشعري ؛ نستطيع أن نقول أن شاعرنا المعاصر ثميم البرغوثي ؛ تأثر بمعلقة الشاعر الجاهلي عمر ابن كلثوم و نسج على منوالها .
إلا أن هذا لا يعني استصغار الشاعر الفلسطيني ثميم البرغوثي أو الحط من قدر و قيمة قصائده ، فهو بحق من خيرة شعراء العصر ، و ممن تميزوا بأسلوبهم في كتابة الشعر ، كما أنه يبدع قصائدا غاية في الروعة و الجمال ، و لا يختلف اثنان عن كون قصائده تستهوي عشاق الشعر في عصرنا ، فتراهم يبحثون عن أشعاره كي يتدارسوها ، و عن تسجيلاته كي يطربوا بها مسامعهم فلا قراءاته للشعر ككل القراءات ، نعم ؛ هكذا تكون قصائده هي الكلمات التي لا تمل الآذان من سماعها ؛ فتكررها على مسامعها حتى تحفظها و تصير لها مرددة كلما اشتاقت النفس لسماع تلك الكلمات الراقية الجميلة .

                                        
معتز العربي

ليست هناك تعليقات: